سهيلة عبد الباعث الترجمان
677
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
المعنى سوى أمر اعتباري فقط ، إذ أن الواحدية هي مصدر ذلك التكثر لا الأحدية ، لأن الأحدية لا تقبل التكثر « 1 » حيث أشار الجيلي إلى ذلك بقوله : " فباعتبار الأحدية لا تكثر ، وباعتبار التكثّر لا أحدية وباعتبار الذات تكثّر في أحدية واحدية " « 2 » . وجملة القول أن الجيلي ينفي التعدد والكثرة في الكون ، ويردها إلى الوحدة التامة ، ويرى أن التعدد في مظاهر الوجود هو تعدد قائم في نفس المعدودات فقط ، وليس له وجود حقيقي في نفسه بل يعزو هذا الوجود إلى الوهم ، والخيال هو الذي يرسم صورة هذا التعدد ، ولكنه في حقيقة أمره وجود واحد لا تعدد فيه ، ولا تجزؤ ، ولا انقسام ، ولا تبعيض في الذات ، بل هي واحدة ، وقد سرى ظهورها في الموجودات ، كما ظهر كمالها في كل جزء من أجزاء الموجودات ، وذلك بمقتضى المشيئة الإلهية ورحمة لها . فاللّه بهذا الاعتبار واحد العدد ، أحديّ الذات ، لا يخالطه كثرة ، ولا يمازجه شيء ، لذلك لم يوجد الأعيان لذاته لأنه غني عن العالمين وإنما أوجد الموجودات جميعها لذاتها لا له ، فوجدت على ما هي عليه من الأحوال والأزمان ، وهي واحدة فيما وجدت عليه جميعها لقوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ « 3 » " « 4 » . وقد كشف الجيلي عن حقيقة أمر هذه الوحدة ونفي الكثرة والتعدد عنها ، أن معرفته بها معرفة ذوقية شهودية حصلت له في حال تجلي الحق له فقال : " والكثرة في نفس المعدودات ، وهذا الأمر قد حصل لنا في وقت لم يختل علينا فيه شيء ، فكان الأمر في الكثرة واحدا عندما غاب ولا زال ، وهكذا يشهده كل من ذاق هذا " « 5 » . - صلة اللّه بالعالم عند الجيلي : إن ما ذهب إليه الجيلي من القول بالتنزلات والتجليات ومراتبها الوجودية له أثره في إظهار نظام العالم ، فهو يهدف من ذلك إلى إظهار العلاقة القائمة بين اللّه
--> ( 1 ) Izutsu : The Concept Reality of Existence , Tokyo , 1971 l , P . 30 . . ( 2 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 23 ، ص أ . ( 3 ) سورة القمر ، الآية : 50 ك . ( 4 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار عن رسالة الأنوار ، ص 12 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 12 .